ابن أبي الحديد

32

شرح نهج البلاغة

صدرا رحيبا وقلبا واسعا قمنا * ألا تخاف متى أودعت إظهارا ( 1 ) فعلمنا أنه يريد أن نضمن له كتمان حديثه ، فقلت أنا له : يا أمير المؤمنين ، ألزمنا وخصنا وصلنا ، قال : بما ذا يا أخا الأشعريين ؟ فقلت : بإفشاء سرك وإن تشركنا في همتك فنعم المستشاران نحن لك . قال : إنكما كذلك ، فاسألا عما بدا لكما ، ثم قام إلى الباب ليعلقه ، فإذا الاذن الذي أذن لنا عليه في الحجرة فقال : امض عنا لا أم لك : فخرج وأغلق الباب خلفه ، ثم اقبل علينا ، فجلس معنا ، وقال : سلا تخبرا ، قلنا نريد أن يخبرنا أمير المؤمنين بأحسد قريش : الذي لم يأمن ثيابنا على ذكره لنا ، فقال : سألتما عن معضلة ، وسأخبركما فليكن عندكما في ذمة منيعة وحرز ما بقيت ، فإذا مت فشأنكما وما شئتما من إظهار أو كتمان . قلنا : فإن لك عندنا ذلك ، قال أبو موسى : وأنا أقول في نفسي : ما يريد إلا الذين كرهوا استخلاف لابن أبي بكر له كطلحة وغيره ، فإنهم قالوا لأبي بكر : أتستخلف علينا فظا غليظا : وإذا هو يذهب إلى غير ما في نفسي ، فعاد إلى التنفس ، ثم قال : من تريانه ؟ قلنا : والله ما ندري إلا ظنا ! قال : وما تظنان ؟ قلنا : عساك تريد القوم الذين أرادوا أبا بكر على صرف هذا الامر عنك ، قال : كلا والله ! بل كان أبو بكر أعق ، وهو الذي سألتما عنه ، كان والله أحسد قريش كلها ، ثم أطرق طويلا ، فنظر المغيرة إلى ونظرت إليه ، وأطرقنا مليا لإطراقه ، وطال السكوت منا ومنه ، حتى ظننا أنه قد ندم على ما بدا منه ، ثم قال : وا لهفاه على ضئيل بنى تيم بن مرة ! لقد تقدمني ظالما ، وخرج إلي منها آثما ، فقال المغيرة : أما تقدمه عليك يا أمير المؤمنين ظالما فقد عرفناه ، كيف خرج إليك منها آثما قال : ذاك لأنه لم يخرج إلى منها إلا بعد يأس منها ، أما والله لو كنت أطعت يزيد بن الخطاب وأصحابه لم يتلمظ من حلاوتها بشئ أبدا ، ولكني قدمت وأخرت ، وصعدت وصوبت ، ونقضت وأبرمت ، فلم أجد إلا الاغضاء على ما نشب به منها ، والتلهف على نفسي ، وأملت إنابته ورجوعه ، فوالله ما فعل حتى نغر بها بشما .

--> ( 1 ) الديوان : ( لم تخش منه لما أودعت )